فصل: الآية رقم ‏(‏55 ‏:‏ 56‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏55 ‏:‏ 56‏)‏

‏{‏ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ‏.‏ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين ‏}‏

أرشدك تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال‏:‏ ‏{‏ادعوا ربكم تضرعاً وخفية‏}‏، قيل معناه‏:‏ تذللاً واستكانة وخفية، كقوله‏:‏ ‏{‏واذكر ربك في نفسك‏}‏ الآية، وفي الصحيحن عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إن الذي تدعون سميع قريب‏)‏ الحديث، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏تضرعاً وخفية قال‏:‏ السر، وقال ابن جرير‏:‏ ‏{‏تضرعاً‏}‏ تذللاً واستكانة لطاعته ‏{‏وخفية‏}‏ يقول‏:‏ بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهاراً مراءاة‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏ادعوا ربكم تضرعاً وخفية‏}‏، وذلك أن اللّه ذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال‏:‏ ‏{‏إذ نادى ربه نداء خفيا‏}‏، وقال ابن جريج‏:‏ يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويأمر بالتضرع والاستكانة، ‏{‏إنه لا يحب المعتدين‏}‏ في الدعاء ولا في غيره‏.‏

وقال الإمام أحمد إن سعداً سمع ابناً له يدعو وهو يقول‏:‏ اللهم إني اسألك الجنة ونعيمها واستبرقها، ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال‏:‏ لقد سألت اللّه خيراً كثيراً، وتعوذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏ادعوا ربكم تضرعا‏}‏ الآية - وإن بحسبك أن تقول‏:‏ اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود‏"‏، وسمع عبد اللّه بن مغفل ابنه يقول‏:‏ اللهم إني اسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال‏:‏ يا بني سل اللّه الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود قال ابن كثير‏:‏ وإسناده حسن‏"‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها‏}‏ ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح‏!‏ فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال‏:‏ ‏{‏وادعوه خوفا وطمعا‏}‏ أي خوفاً مما عنده من وبيل العقاب وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب، ثم قال‏:‏ ‏{‏إن رحمة اللّه قريب من المحسنين‏}‏ أي إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون‏}‏ الآية، وقال‏:‏ ‏{‏قريب‏}‏ ولم يقل‏:‏ قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى اللّه، فلهذا قال‏:‏ قريب من المحسنين‏.‏ وقال مطر الوراق‏:‏ استنجزوا موعود اللّه بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏57 ‏:‏ 58‏)‏

‏{‏ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ‏.‏ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ‏}‏

لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال‏:‏ ‏{‏وهو الذي يرسل الرياح بشرا‏}‏ أي مبشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرأ بشراً، كقوله‏:‏ ‏{‏ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏بين يدي رحمته‏}‏ أي بين يدي المطر، كما قال‏:‏ ‏{‏وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فانظر إلى آثار رحمت اللّه كيف يحيي الأرض بعد موتها إن في ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حتى إذا أقلت سحابا ثقالا‏}‏ أي حملت الرياح سحاباً ثقالاً أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل رحمه اللّه‏:‏

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذاباً زلالاً

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سقناه لبلد ميت‏}‏ أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها، كقوله‏:‏ ‏{‏وآية لهم الأرض الميتة أحييناها‏}‏ الآية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى‏}‏ أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميماً يوم القيامة، ينزل اللّه سبحانه وتعالى ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوماً فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب اللّه مثلاً ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏،

وقوله‏:‏ ‏{‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏}‏ أي والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعاً حسناً كقوله‏:‏ ‏{‏وأنبتها نباتا حسنا‏}‏، ‏{‏والذي خبث لا يخرج إلا نكدا‏}‏، قال مجاهد وغير‏:‏ كالسباخ ونحوها، وقال ابن عباس في الآية‏:‏ هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافرن وقال البخاري عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏‏(‏مثل ما بعثني اللّه به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منه نقية قبلت الماء فأنبت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به‏)‏

 

">الآية رقم ‏(‏59 ‏:‏ 62‏)‏">

الآية رقم ‏(‏59 ‏:‏ 62‏)‏

‏{‏ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ‏.‏ قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ‏.‏ قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ‏.‏ أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ‏}‏

لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام‏:‏ الأول، فالأول، فابتدأ بذكر نوح عليه السلام، فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام‏.‏ قال محمد بن إسحاق‏:‏ ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل، وقال يزيد الرقاشي‏:‏ إنما سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه، وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام‏.‏ قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير‏:‏ وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوماً صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها، ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً ، فلما تفاقم الأمر بعث اللّه سبحانه وتعالى - وله الحمد والمنة - رسوله نوحاً، فأمرهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له فقال‏:‏ ‏{‏يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏}‏ أي من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم اللّه وأنتم مشركون به، ‏{‏قال الملأ من قومه‏}‏ أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم‏:‏ ‏{‏إنا لنراك في ضلال مبين‏}‏ أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا، وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون‏}‏، ‏{‏وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات، ‏{‏قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين‏}‏ أي ما أنا ضال ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه،

‏{‏أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من اللّه ما لا تعلمون‏}‏،

وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغاً فصيحاً ناصحاً عالماً باللّه لا يدركهم أحد من خلق اللّه في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة‏:‏ ‏(‏أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول‏:‏ ‏(‏اللهم اشهد، اللهم اشهد‏)‏

 الآية رقم ‏(‏63 ‏:‏ 64‏)‏

‏{‏ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ‏.‏ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ‏}‏

يقول تعالى إخباراً عن نوح أنه قال لقومه‏:‏ ‏{‏أو عجبتم‏}‏ الآية، أي لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي اللّه إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفاً وإحساناً إليكم لينذركم،

ولتتقوا نقمة اللّه، ولا تشركوا به ‏{‏ولعلكم ترحمون‏}‏، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فكذبوه‏}‏ أي تمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه في موضع آخر، ‏{‏فأنجيناه والذين معه في الفلك‏}‏ أي السفينة، كما قال‏:‏ ‏{‏فأنجيناه وأصحاب السفينة‏}‏، ‏{‏وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا‏}‏، كما قال‏:‏ ‏{‏مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون اللّه أنصاراً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا قوما عمين‏}‏ أي عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له، فبيّن تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله‏:‏ ‏{‏إنا لننصر رسلنا‏}‏ الآية، وهذه سنّة اللّه في عباده في الدنيا والآخرة، أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحاً وأصحابه المؤمنين، وكان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل، وقال ابن أسلم‏:‏ ما عذب اللّه قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز‏.‏ وقال ابن وهب‏:‏ بلغني عن ابن عباس أنه نجي مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً أحدهم جرهم، وكان لسانه عربياً ‏"‏رواه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏65 ‏:‏69‏)‏

‏{‏ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ‏.‏ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ‏.‏ قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ‏.‏ أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ‏.‏ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحاً كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، وهؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم اللّه، وهم أولاد عاد بن غرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏ وذلك لشدة باسهم وقوتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة‏}‏‏؟‏ وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، فإن هوداً عليه السلام دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسباً، لأن الرسل إنما يبعثهم اللّه من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانو من أشد الأمم تكذيباً للحق، ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه، ‏{‏قال الملأ الذين كفروا من قومه‏}‏ - والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم - ‏{‏إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظك من الكاذبين‏}‏ أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة اللّه وحده،

كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا‏:‏ ‏{‏أجعل الآلهة إلها واحدا‏}‏‏؟‏ الآية،

‏{‏قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين‏}‏ أي لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من اللّه الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه، ‏{‏أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين‏}‏، وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة، ‏{‏أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم‏}‏ أي لا تعجبوا أن بعث اللّه إليكم رسولاً من أنفسكم لينذركم أيام اللّه ولقاءه، بل احمدوا اللّه على ذاكم، ‏{‏واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح‏}‏، أي واذكروا نعمة اللّه عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك اللّه أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه، ‏{‏وزادكم في الخلق بسطة‏}‏ أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم، كقوله في قصة طالوت‏:‏ ‏{‏وزاده بسطة في العلم والجسم‏}‏ ‏{‏واذكروا آلاء اللّه‏}‏ أي نعمه ومننه عليكم ‏{‏لعلكم تفلحون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏70 ‏:‏ 72‏)‏

‏{‏ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ‏.‏ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين ‏.‏ فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ‏}‏

يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام، ‏{‏قالوا أجئتنا لنعبد اللّه وحده‏}‏ الآية، كقول الكفار من قريش‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏‏.‏ وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره‏:‏ أنهم كانوا يعبدون أصناماً، فصنم يقال له‏:‏ صمد، وآخر يقال له‏:‏ صمود، وآخر يقال له‏:‏ الهباء، ولهذا قال هود عليه السلام‏:‏ ‏{‏قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب‏}‏ أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس، معناه سخط وغضب ‏{‏أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم‏}‏ أي أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل اللّه لكم على عبادتها حجة ولا دليلاً، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ما نزل اللّه بها من سلطان * فانتظروا إني معكم من المنتظرين‏}‏ وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه، ولهذا عقّبه بقوله‏:‏ ‏{‏فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين‏}‏ وقد ذكر اللّه سبحانه صفة إهلاكم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ‏{‏ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم‏}‏، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية‏}‏ لما تمردوا وعتوا أهلكهم اللّه بريح عاتية فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه، فتثلغ رأسه حتى تبينه من جثته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كأنهم أعجاز نخل خاوية‏}‏‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم اللّه، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون اللّه، فبعث اللّه إليهم هوداً عليه السلام، وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعاً، فأمرهم أن يوحدوا اللّه ولا يجعلوا معه إلهاً غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا‏:‏ من أشد منا قوة‏؟‏ واتبعه منهم ناس - وهم يسير - يكتمون إيمانهم، فلما عتت عاد على اللّه وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا، وبنوا بكل ريع آية عبثاً بغير نفع كلمهم هود فقال‏:‏ ‏{‏أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين‏}‏ الآيات‏.‏

فلما أبوا إلا الكفر به أمسك اللّه عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك، وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، وطلبوا من اللّه الفرج فيه إنما يطلبونه بحرمته ومكان بيته، وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، فبعث عاد وفداً قريباً من سبعين رجلاً إلى الحرم، ليستقوا لهم عند الحرم فنهضوا إلى الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، فأنشأ اللّه سحابات ثلاثاً بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناده مناد من السماء‏:‏ اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال‏:‏ اخترت هذه السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد‏:‏ ‏(‏اخترت رماداً رمدداً، لا تبقي من عاداً أحداً، لا والداً ولا ولداً، إلا جعلته همداً‏)‏ وساق اللّه السحابة السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد، يقال لها المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا‏:‏ هذا عارض ممطرنا، يقول‏:‏ ‏{‏بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء‏}‏ أي تهلك كل شيء مرت به، فسخرها اللّه عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، كما قال اللّه تعالى،

والحسوم الدائمة، فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ‏}‏، وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق عن الحارث البكري قال‏:‏ إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال‏:‏ اللهم إنك تعلم أني لم أجيء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي‏:‏ منها اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي‏:‏ منها خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، قال‏:‏ فما بلغني أنه بعث اللّه عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا‏.‏ قال أبو وائل وصدق قال‏:‏ وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا‏:‏ لا تكن كوافد عاد ‏"‏رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأخرجه ابن جرير‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏73 ‏:‏ 78‏)‏

‏{‏ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ‏.‏ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ‏.‏ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ‏.‏ قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ‏.‏ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ‏.‏ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ‏}‏

قال علماء التفسير والنسب‏:‏ ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، أحياء من العرب العارية قبل إبراهيم الخليل عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع، قال الإمام أحمد عن ابن عمر قال‏:‏ لما نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا لها القدور، فأمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل،

ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال‏:‏ ‏(‏إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم‏)‏ وقال أحمد أيضاً عن عبد اللّه بن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بالحجر‏:‏ ‏(‏لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم‏)‏ ‏"‏أصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإلى ثمود‏}‏ أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحاً ‏{‏قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره‏}‏، فجميع الرسل يدعون إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة اللّه لكم آية‏}‏، أي قد جاءتكم حجة من اللّه على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحاً أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة، فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم اللّه إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا اللّه عزَّ وجلَّ، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأقامت الناقة وفصيلها بعدما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوماً، وتدعه لهم يوماً، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها، فيملأون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم‏}‏، وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت على ما ذكر خلقاً هائلاً ومنظراً رائعاً، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال‏:‏ إنهم اتفقوا كلهم على قتلها، قال قتادة‏:‏ بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان، قلت‏:‏ وهذا هو الظاهر لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فعقروا الناقة‏}‏، فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك، واللّه أعلم‏.‏

وذكر ابن جرير وغيره من علماء التفسير‏:‏ أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة وتكنى أم عثمان، كانت عجوزاً كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها صدقة ذات حسب ومال وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان جعلاً لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلاً يقال له‏:‏ الحباب، فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له‏:‏ مصدع بن المحيا فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً يزعمون أنه كان ولد زانية، وقالت له‏:‏ أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطلق قدار بن سالف و مصدع بن المحيا فاستغويا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال فيهم اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏}‏ وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت بنت غنم عنيزة، وأمرت ابنتها - وكانت من أحسن الناس وجهاً - فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته، وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبّتها فنحرها، وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلاً منيعاً، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا‏.‏

فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحاً عليه السلام جاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى وقال‏:‏ ‏{‏تمتعوا في داركم ثلاثة أيام‏}‏ الآية، وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح، وقالوا‏:‏ إن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً ألحقناه بناقته ‏{‏قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون‏}‏، فلما عزموا على ذلك وتواطأوا عليه وجاؤوا من الليل ليفتكوا بنبي اللّه، فأرسل اللّه سبحانه وتعالى - وله العزة ولرسوله - عليهم حجارة فرضختهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الأول من أيام النظرة - ووجوههم مصفرة، كما وعدهم صالح عليه السلام، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل - وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع - وهو يوم السبت - ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد، وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة اللّه وعذابه - عياذاً باللّه من ذلك - لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة‏.‏ ‏{‏فأصبحوا في دارهم جاثمين‏}‏ أي صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى، ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح عليه السلام ومن تبعه رضي اللّه عنهم، إلا أن رجلاً يقال له أبو رغال‏"‏كان لما وقعت النقمة بقومه مقيماً إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل جاءه حجر من السماء فقتله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏79‏)‏

‏{‏ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ‏}‏

هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم اللّه بمخالفته إياه وتمردهم على اللّه، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقف علىالقليب - قليب بدر - فجعل يقول‏:‏ ‏(‏يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شبية بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً‏(‏ فقال له عمر‏:‏ يا رسول اللّه ما تكلم من أقوام قد جيفوا‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون‏)‏ وفي السيرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لهم‏:‏ ‏(‏بئس عشيرة القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة القوم كنتم لنبيكم‏)‏ ‏.‏ وهكذا قال صالح عليه السلام لقومه‏:‏ ‏{‏لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم‏}‏ أي فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحاً، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ولكن لا تحبون الناصحين‏}‏، وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم - حرم مكة - واللّه أعلم‏.‏ وقد قال الإمام أحمد عن ابن عباس قال‏:‏ لما مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال‏:‏ ‏(‏يا أبا بكر أي واد هذا‏؟‏‏)‏ قال هذا وادي عسفان‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمهن الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير‏:‏ هذا حديث غريب من هذا الوجه‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏80 ‏:‏81‏)‏

‏{‏ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ‏.‏ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ‏}‏

يقول تعالى و لقد أرسلنا ‏{‏لوطا‏}‏ أو تقديره و اذكر ‏{‏لوطا إذ قال لقومه‏}‏ ولوط هو ابن هاران ابن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام وهاجر معه إلى أرض الشام فبعثه اللّه إلى أهل سدوم، وما حولها من القرى، يدعوهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن اللّه‏.‏ قال عمرو بن دينار في قوله ‏{‏ما سبقكم بها من أحد من العالمين‏}‏ قال‏:‏ ما نزا ذكر على ذكر حتى كان يوم لوط؛ وقال الوليد بن عبد الملك‏:‏ لولا أن اللّه عزَّ وجلَّ قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكراً يعلو ذكراً، ولهذا قال لهم لوط عليه السلام‏:‏ ‏{‏أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء‏}‏ أي عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهذا إسراف منكم وجهل، لأنه وضع الشيء في غير محله، ولهذا قال لهم في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين‏}‏ فأرشدهم إلى نسائهم فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن، ‏{‏قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد‏}‏ أي لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك، وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعضن وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏82‏)‏

‏{‏ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ‏}‏

أي ما أجابوا لوطاً إلا أن هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه اللّه تعالى سالماً وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنهم أناس يتطهرون‏}‏، قال قتادة‏:‏ عابوهم بغير عيب‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء، وروى مثله عن ابن عباس أيضاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏83 ‏:‏ 84‏)‏

‏{‏ فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ‏.‏ وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ فأنجينا لوطاً وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين‏}‏ إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط عليه السلام ليسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي، فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏إلا امرأته كانت من الغابرين‏}‏ أي الباقين، وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم، وقوله‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم مطراً‏}‏ مفسر بقوله‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد‏}‏، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المجرمين‏}‏ أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترئ على معاصي اللّه عزَّ وجلَّ ويكذب رسله، وقد ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم سواء كان محصناً أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي رحمه اللّه‏.‏ والحجة ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من وجدتموه يعمل عمل لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏)‏ ‏"‏ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه‏"‏‏.‏ وقال آخرون‏:‏ هو كالزاني فإن كان محصناً رجم، وإن لم يكن محصناً جلد مائة جلدة، وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولاً شاذاً لبعض السلف‏.‏

 الآية رقم ‏(‏85‏)‏

‏{‏ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ‏}‏

مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب معان من طرق الحجاز معان هي الآن بلدة شهيرة في شرق الأردن ، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون‏}‏ وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء اللّه وبه الثقة، ‏{‏قال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره‏}‏ هذه دعوة الرسل كلهم، ‏{‏قد جاءتكم بينة من ربكم‏}‏، أي قد أقام اللّه الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس، وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليساً، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين - إلى قوله - لرب العالمين‏}‏ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، نسأل اللّه العافية منه، ثم قال تعالى إخباراً عن شعيب الذي يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته‏.‏

 الآية رقم ‏(‏86 ‏:‏ 87‏)‏

‏{‏ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ‏.‏ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ‏}‏

ينهاهم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقعدوا بكل صراط توعدون‏}‏ أي تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم‏.‏ قال السدي‏:‏ كانوا عشارين، وعن ابن عباس ومجاهد ‏{‏ولا تقعدوا بكل صراط توعدون‏}‏‏:‏ أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه، والأول أظهر، لأنه قال‏:‏ ‏{‏بكل صراط‏}‏ وهو الطريق، وهذا الثاني هو قوله‏:‏ ‏{‏وتصدون عن سبيل اللّه من آمن به وتبغونها عوجا‏}‏ أي وتودون أن تكون سبيل اللّه عوجاً مائلة، ‏{‏واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم‏}‏ أي كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم، فاذكروا نعمة اللّه عليكم في ذلك، ‏{‏وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين‏}‏ أي من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي اللّه وتكذيب رسله، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا‏}‏ أي قد اختلفتم علي ‏{‏فاصبروا‏}‏ أي انتظروا ‏{‏حتى يحكم اللّه بيننا‏}‏ وبينكم أي يفصل ‏{‏وهو خير الحاكمين‏}‏، فإنه سيجعل العاقبة للمتقين والدمار على الكافرين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏88 ‏:‏ 89‏)‏

‏{‏ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين ‏.‏ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ‏}‏

هذا خبر من اللّه تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيباً ومن معه من المؤمنينن وتوعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول؛ والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة، وقوله‏:‏ ‏{‏أولو كنا كارهين‏}‏‏؟‏ يقول‏:‏ أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه، فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه فقد أعظمنا الفرية على اللّه، في جعل الشركاء معه أنداداً، وهذا تنفير منه على اتباعهم ‏{‏وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللّه ربنا‏}‏، وهذا رد إلى اللّه مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علماً، ‏{‏على اللّه توكلنا‏}‏ أي في أمورنا ما نأتي منها وما نذر، ‏{‏ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق‏}‏، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم، ‏{‏وأنت خير الفاتحين‏}‏ أي خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبداً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90 ‏:‏ 92‏)‏

‏{‏ وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ‏.‏ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ‏.‏ الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ‏}‏

يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا‏:‏ ‏{‏لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون‏}‏، فلهذا عقبه بقوله‏:‏ ‏{‏فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين‏}‏، أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شعيباً وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال‏:‏ ‏{‏ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين‏}‏، والمناسبة هناك - واللّه أعلم - أنهم لما تهكموا به في قولهم ‏{‏أصلاتك تأمرك‏}‏‏؟‏ الآية، فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخباراً عنهم في سورة الشعراء ‏{‏فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم‏}‏، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة‏:‏ ‏{‏فأسقط علينا كسفا من السماء‏}‏ الآية، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم، فيها شر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام ‏{‏فأصبحوا في دارهم جاثمين‏}‏‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏كأن لم يغنوا فيها‏}‏ أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها‏.‏ ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم‏:‏ ‏{‏الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏93‏)‏

‏{‏ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين ‏}‏

أي فتولى عنهم شعيب عليه السلام بعدما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعاً لهم وموبخاً‏:‏ ‏{‏يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم‏}‏ أي قد أديت إليكم ما أرسلت بهن فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏فكيف آسى على قوم كافرين‏}‏‏؟‏‏.‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏94 ‏:‏ 95‏)‏

‏{‏ وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ‏.‏ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء‏.‏ يعني ‏{‏بالبأساء‏}‏ ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، ‏{‏والضراء‏}‏ ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك ‏{‏لعلهم يضرعون‏}‏ أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى اللّه تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام‏:‏ أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئاً من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيهن ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة‏}‏ أي حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا، وقوله‏:‏ ‏{‏حتى عفوا‏}‏ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال‏:‏ عفا الشيء إذا كثر‏.‏ ‏{‏وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون‏}‏‏.‏ يقول تعالى‏:‏ ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى اللّه فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، وقالوا‏:‏ قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر اللّه فيهم ولا استشعروا ابتلاء اللّه لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون اللّه على السراء ويصبرون على الضراء كما ثبت في الصحيحين‏:‏ ‏(‏عجباً للمؤمن لا يقضي اللّه له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له‏)‏ فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه اللّه به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقياً من ذنوبه ‏"‏وفي رواية الترمذي‏:‏ ‏)‏حتى يلقى اللّه تعالى وما عليه خطيئة‏"‏، والمنافق كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيما أرسلوه‏(‏، أو كما قال، ولهذا عقب هذه الصفة بقوله ‏{‏فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون‏}‏ أي أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي على بغتة وعدم شعور منهم، أي أخذناهم فجأة كما في الحديث‏:‏ ‏)‏موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر‏)‏

 الآية رقم ‏(‏96 ‏:‏ 99‏)‏

‏{‏ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ‏.‏ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ‏.‏ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ‏.‏ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ‏}‏

يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس‏}‏ أي ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعدما عاينوا العذاب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فآمنوا فمتعناهم إلى حين‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا في قرية من نذير‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا‏}‏ أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل، وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات ‏{‏لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض‏}‏، أي قطر السماء ونبات الأرض، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون‏}‏ أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم، ثم قال تعالى مخوفاً ومحذراً من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره ‏{‏أفأمن أهل القرى‏}‏ أي الكافرة ‏{‏أن يأتيهم بأسنا‏}‏ أي عذابنا ونكالنا، ‏{‏بياتا‏}‏ أي ليلاً ‏{‏وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون‏}‏ أي في حال شغلهم وغفلتهم، ‏{‏أفأمنوا مكر الله‏}‏ أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم، وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم، ‏{‏فلا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون‏}‏، ولهذا قال الحسن البصري رحمه اللّه‏:‏ المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن‏.‏

 الآية رقم ‏(‏100‏)‏

‏{‏ أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ‏}‏

قال ابن عباس المعنى‏:‏ أولم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وقال ابن جرير في تفسيرها‏:‏ أولم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم ‏{‏أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم‏}‏ يقول‏:‏ أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، ‏{‏ونطبع على قلوبهم‏}‏ يقول‏:‏ ونختم على قلوبهم، ‏{‏فهم لا يسمعون‏}‏ موعظة ولا تذكيراً‏.‏ وهكذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم‏}‏؛ وقال‏:‏ ‏{‏أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا‏}‏ أي هل ترى لهم شخصاً أو تسمع لهم صوتاً‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير‏}‏‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏101 ‏:‏ 102‏)‏

‏{‏ تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ‏.‏ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ‏}‏

لما قص تعالى على نبيه صلى اللّه عليه وسلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين، قال تعالى‏:‏ ‏{‏تلك القرى نقص عليك‏}‏ أي يا محمد ‏{‏من أنبائها‏}‏ أي من أخبارها، ‏{‏ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات‏}‏ أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏ الباء سببية أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، كقوله‏:‏ ‏{‏وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون‏}‏، ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏كذلك يطبع اللّه على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم‏}‏ أي لأكثر الأمم الماضية ‏{‏من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين‏}‏ أي ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة والامتثال‏.‏ والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه،

وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع اللّه غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون‏}‏‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت‏}‏‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات، وقد قيل في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏، عن أبي بن كعب قال‏:‏ كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق، أي فما كانوا ليؤمنوا لعلم اللّه منهم ذلك، واختاره ابن جرير، وقال السدي ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏ قال‏:‏ ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهاً‏.‏ وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏، هذا كقوله‏:‏ ‏{‏ولو ردوا لعادوا‏}‏ الآية‏.‏

 الآية رقم ‏(‏103‏)‏

‏{‏ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ثم بعثنا من بعدهم‏}‏ أي الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات اللّه وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء اللّه أجمعين، ‏{‏موسى بآياتنا‏}‏ أي بحجتنا ودلائلنا البينة إلى فرعون - وهو ملك مصر في زمن موسى - ‏{‏وملئه‏}‏ أي قومه، ‏{‏فظلموا بها‏}‏ أي جحدوا وكفروا بها ظلماً منهم وعناداً، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا‏}‏، ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المفسدين‏}‏ أي الذين صدوا عن سبيل اللّه وكذبوا رسله،

أي انظر يا محمد كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء اللّه موسى وقومه من المؤمنين به‏.‏

 الآية رقم ‏(‏104 ‏:‏ 106‏)‏

‏{‏ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ‏.‏ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ‏.‏ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ‏}‏

يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة، وإظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين‏}‏ أي أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه ‏{‏حقيق على أن لا أقول على اللّه إلا الحق‏}‏، قال بعضهم‏:‏ معناه حقيق بأن لا أقول على اللّه إلا الحق، أي جدير بذك وحري به، قالوا‏:‏ والباء وعلى يتعاقبان، يقال‏:‏ رميت بالقوس وعلى القوس، وقال بعض المفسرين‏:‏ معناه حريص على أن لا أقول على اللّه إلا الحق، وقرأ آخرون من أهل المدينة‏:‏ حقيق عليَّ، بمعنى واجب وحق عليَّ ذلك، أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه، ‏{‏قد جئتكم ببينة من ربكم‏}‏ أي بحجة قاطعة من اللّه أعطانيها دليلاً على صدقي فيما جئتكم به، ‏{‏فأرسل معي بني إسرائيل‏}‏ أي أطلقهم من أسرك وقهرك ودعهم وعبادة ربهم، فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ‏{‏قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين‏}‏ أي قال فرعون‏:‏ لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمعطيك فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقاً فيما ادعيت‏.‏

 الآية رقم ‏(‏107 ‏:‏ 108‏)‏

‏{‏ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ‏.‏ ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فألقى عصاه‏}‏ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، وقال قتادة‏:‏ تحولت حية عظيمة مثل المدينة،

قال السدي في قوله ‏{‏فإذا هي ثعبان مبين‏}‏‏:‏ الثعبان الذكر من الحيات، فاتحة فاها، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث، وصاح‏:‏ يا موسى خذها وأنا أؤمن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى عليه السلام فعادت عصا، وقوله ‏{‏ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين‏}‏‏:‏ أي أخرج يده من درعه بعدما أدخلها فيه، فإذا هي بيضاء تلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء‏}‏ الآية‏.‏ وقال ابن عباس ‏{‏من غير سوء‏}‏ يعني من غير برص، ثم أعادها إلى كمه، فعادت إلى لونها الأول‏.‏

 الآية رقم ‏(‏109 ‏:‏ 110‏)‏

‏{‏ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ‏.‏ يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ‏}‏

أي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته، بعد ذلك قال للملأ حوله‏:‏ ‏{‏إن هذا لساحر عليم‏}‏ فوافقوه، وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره، وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه، وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سبباً لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون‏}‏ فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله تعالى‏:‏

 الآية رقم ‏(‏111 ‏:‏ 112‏)‏

‏{‏ قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ‏.‏ يأتوك بكل ساحر عليم ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏أرجه‏}‏ أخره‏:‏ وقال قتادة‏:‏ احبسه ‏{‏وأرسل‏}‏ أي ابعث، ‏{‏في المدائن‏}‏ أي في الأقاليم ومدائن ملكك ‏{‏حاشرين‏}‏ أي من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم، وقد كان السحر في زمانهم غالباً كثيراً ظاهراً، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم منهم أن ما جاء موسى به عليه السلام من قبيل ما تشعبذه سحرتهم، فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوا بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال‏:‏ ‏{‏أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحر مثلهن فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى‏}‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏113 ‏:‏ 114‏)‏">

الآية رقم ‏(‏113 ‏:‏ 114‏)‏ ‏{‏ وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ‏.‏ قال نعم وإنكم لمن المقربين ‏}‏

يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى عليه السلام، إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلاً، فوعدهم ومنّاهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه اللّه‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏115 ‏:‏ 116‏)‏">

الآية رقم ‏(‏115 ‏:‏ 116‏)‏

‏{‏ قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ‏.‏- قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم ‏}‏

هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم‏:‏ ‏{‏إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين‏}‏ أي قبلك، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وإما نكون أول من ألقى‏}‏، فقال لهم موسى عليه السلام‏:‏ ألقوا أي أنتم أولاً، قيل‏:‏ الحكمة في هذا - واللّه أعلم - ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من بهرجهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلّب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس وكذا كان، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم‏}‏ أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا حبالهم وعصيهم يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً قال‏:‏ فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وقال محمد بن إسحاق‏:‏ ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي‏:‏ فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً‏.‏ وقال السدي‏:‏ كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا، ‏{‏فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم‏}‏ يقول‏:‏ فرقوهم أي من الفرق، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجاؤوا بسحر عظيم‏}‏‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏117 ‏:‏ 122‏)‏">

الآية رقم ‏(‏117 ‏:‏ 122‏)‏

‏{‏ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ‏.‏ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ‏.‏ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ‏.‏ وألقى السحرة ساجدين ‏.‏ قالوا آمنا برب العالمين ‏.‏ رب موسى وهارون ‏}‏

يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرق اللّه تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ‏{‏فإذا هي تلقف‏}‏ أي تأكل ‏{‏ما يأفكون‏}‏ أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل، قال ابن عباس‏:‏ فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر، فخروا سجداً قيل‏:‏ كان رؤساؤهم أربعة، وهم أئمة السحرة، كما ذكره الطبري، والدارقطني، وكان السحرة‏:‏ سبعين ألفاً، وقيل دون ذلك، ومهما يكن من أمر فقد كان عددهم كبيراً ، وقالوا‏:‏ ‏{‏آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏}‏ قال محمد بن إسحاق‏:‏ جعلت تتبع تلك الجبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجداً، قالوا‏:‏ ‏{‏آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏}‏ لو كان هذا ساحراً ما غلبنا‏.‏ وقال القاسم بن أبي برة‏:‏ أوحى اللّه إليه أن ألق عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه، يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏123 ‏:‏ 126‏)‏">

الآية رقم ‏(‏123 ‏:‏ 126‏)‏

‏{‏ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ‏.‏ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ‏.‏ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ‏.‏ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ‏}‏

يخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه اللّه السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام، وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله‏:‏ ‏{‏إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها‏}‏ أي إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏إنه لكبيركم الذي علمكم السحر‏}‏، وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى اللّه، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه وسلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ممن اختار وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على التقدم عند فرعون، وموسى عليه السلام لا يعرف أحداً منهم ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تستراً وتدليساً على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاستخف قومه فأطاعوه‏}‏ فإن قوماً صدقوه في قوله ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ من أجهل خلق اللّه وأضلهم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لتخرجوا منها أهلها‏}‏ أي تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم ‏{‏فسوف تعلمون‏}‏ أي ما أصنع بكم، ثم فسر هذا الوعيد بقوله‏:‏ ‏{‏لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف‏}‏ يعني بقطع يده اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ‏{‏ولأصلبنكم أجمعين‏}‏، وقال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏في جذوع النخل‏}‏ أي على الجذوع، قال ابن عباس‏:‏ وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون، وقول السحرة‏:‏ ‏{‏إنا إلى ربنا منقلبون‏}‏ أي قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم، وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب اللّه، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏ربنا أفرغ علينا صبرا‏}‏ أي عمنّا بالصبر على دينك والثبات عليه، ‏{‏وتوفنا مسلمين‏}‏ أي متابعين لنبيك موسى عليه السلام، وقالوا لفرعون‏:‏ ‏{‏فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا‏}‏، فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة، قال ابن عباس‏:‏ كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء‏.‏

 الآية رقم ‏(‏127 ‏:‏ 129‏)‏

‏{‏ وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ‏.‏ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ‏.‏ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ‏}‏

يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى عليه السلام وقومه من الأذى ‏{‏وقال الملأ من قوم فرعون‏}‏ أي لفرعون ‏{‏أتذر موسى وقومه‏}‏ أي تدعهم ‏{‏ليفسدوا في الأرض‏}‏ أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك، ‏{‏ويذرك وآلهتك‏}‏ الواو هنا حالية أي أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك‏؟‏ وقيل‏:‏ هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك‏؟‏ وقرأ بعضهم‏:‏ إلاهتك أي عبادتك روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ‏.‏ قال الحسن البصري‏:‏ كان لفرعون إله يعبده في السر، فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله‏:‏ ‏(‏سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم‏)‏ وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكّل بهم قبل ولادة موسى عليه السلام حذراً من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون، وهكذا عومل في صنيعه أيضاً لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد، أعزهم اللّه وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده، ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل ‏{‏قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا‏}‏،

ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله‏:‏ ‏{‏إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبلأن تأتينا ومن بعد ما جئتنا‏}‏ أي فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبهاً لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه‏:‏ ‏{‏عسى ربكم أن يهلك عدوكم‏}‏ الآية‏.‏ وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏130 ‏:‏ 131‏)‏">

الآية رقم ‏(‏130 ‏:‏ 131‏)‏

‏{‏ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ‏.‏ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند اللّه ولكن أكثرهم لا يعلمون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أخذنا آل فرعون‏}‏ أي اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم ‏{‏بالسنين‏}‏ وهي سنين الجوع بسبب قلة الزروع، ‏{‏ونقص من الثمرات‏}‏، وقال رجاء بن حيوة‏:‏ كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة، ‏{‏لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة‏}‏ أي من الخصب والرزق ‏{‏قالوا لنا هذه‏}‏ أي هذا لنا بما نستحقه ‏{‏وإن تصبهم سيئة‏}‏ أي جدب وقحط ‏{‏يطيروا بموسى ومن معه‏}‏ أي هذا بسببهم وما جاؤوا به ‏{‏ألا إنما طائرهم عند اللّه‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ مصائبهم عند اللّه، ‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏}‏ وعنه ‏{‏ألا إنما طائرهم عند اللّه‏}‏ أي من قبل اللّه‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏132 ‏:‏ 135‏)‏">

الآية رقم ‏(‏132 ‏:‏ 135‏)‏

‏{‏ وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ‏.‏ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ‏.‏ ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ‏.‏ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ‏}

هذا إخبار من اللّه عزَّ وجلَّ عن تمرد قوم فرعون وعتوهم، وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم‏:‏ ‏{‏مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين‏}‏، يقولون‏:‏ أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها، رددناها فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان‏}‏ اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس‏:‏ كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار وبه قال الضحاك بن مزاحم وهو الأظهر ، وعنه‏:‏ هو كثرة الموت، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الطوفان‏}‏ الماء والطاعون، وأما الجراد فمعروف ومشهور،

وهو مأكول لما ثبت في الصحيحين عن عبد اللّه بن أبي أوفى‏:‏ غزونا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد، وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أحلت لنا ميتتان ودمان‏:‏ الحوت والجراد والكبد والطحال‏)‏ وقال مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد‏}‏ قال‏:‏ كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب‏.‏ وروى الحافظ أبو الفرج الحريري قال‏:‏ سئل شريح القاضي عن الجراد‏؟‏ فقال‏:‏ قبح اللّه الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب‏.‏

وروى ابن ماجه عن أنس وجابر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا دعا على الجراد قال‏:‏ ‏(‏اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزقنا إنك سميع الدعاء‏)‏ فقال له جابر‏:‏ يا رسول اللّه أتدعو على جند من أجناد اللّه بقطع دابره‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنما هو نثرة حوت في البحر‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن ماجه في سننه‏"‏‏.‏ قال هشام‏:‏ أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت‏.‏ قال من حقق ذلك‏:‏ إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس أنه يفقس كله جراداً طياراً‏.‏ وأما القمل فعن ابن عباس‏:‏ هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وعن الحسن‏:‏ القمل دواب سود صغار، وقال ابن أسلم‏:‏ القمل البراغيث، وقال ابن جرير‏:‏ القُمَّل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكل الإبل فيما بلغني‏.‏

وعن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما أتى موسى عليه السلام فرعون قال له‏:‏ أرسل معي بني إسرائيل، فأرسل اللّه عليهم الطوفان وهو المطر، فصب عليهم منه شيئاً خافوا أن يكون عذاباً، فقالوا لموسى‏:‏ ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل،

فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ، فقالوا‏:‏ هذا ما كنا نتمنى، فأرسل اللّه عليهم الجراد فسلّطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا‏:‏ يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا، فأرسل اللّه عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة، فقالوا‏:‏ يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون‏:‏ ما تلقى أنت وقومك من هذا‏؟‏ فقال‏:‏ وما عسى أن يكون كيد هذا‏؟‏ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى‏:‏ ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، وأرسل اللّه عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دماً عبيطاً، فشكوا إلى فرعون فقالوا‏:‏ إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، فقال‏:‏ إنه قد سحركم، فقالوا‏:‏ من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً‏؟‏ فأتوه وقالوا‏:‏ يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل روي مثل هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف ‏.‏

وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه اللّه‏:‏ فرجع عدو اللّه فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً، ثم ابى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع اللّه عليه الآيات، فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات، فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض، ثم ركد لا يقدرون أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً حتى جهدوا جوعاً، فلما بلغهم ذلك ‏{‏قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل‏}‏ فدعا موسى ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل اللّه عليهم القمل، فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملاً،

حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل اللّه عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحداً ثوباً إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل اللّه عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دماً لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء إلا عاد دماً عبيطاً‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏136 ‏:‏137‏)‏">

الآية رقم ‏(‏136 ‏:‏137‏)‏

‏{‏ فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ‏.‏ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ‏}‏

يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم وهو البحر الذي فرقه لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات اللّه وتغافلهم عنها، وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون - وهم بنو إسرائيل - مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين‏}‏‏.‏ وعن الحسن البصري وقتادة في قوله‏:‏ ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها‏}‏ يعني الشام، وقوله‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا‏}‏ قال مجاهد وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض‏}‏ ‏"‏وروي أيضاً عن ابن جرير وغيره وهو ظاهر‏"‏الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه‏}‏ أي وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعون من العمارات والمزارع ‏{‏وما كانوا يعرشون‏}‏ يبنون قاله ابن عباس ومجاهد ‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏138 ‏:‏ 139‏)‏">

الآية رقم ‏(‏138 ‏:‏ 139‏)‏

‏{‏وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ‏.‏ إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ‏}‏

يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات اللّه وعظيم سلطانه ما رأوا ‏{‏فأتوا‏}‏ أي فمروا ‏{‏على قوم يعكفون على أصنام لهم‏}‏‏.‏ قال بعض المفسرين‏:‏ كانوا من الكنعانين، قال ابن جرير‏:‏ وكانوا يعبدون أصناماً على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا‏:‏ ‏{‏يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون‏}‏ أي تجهلون عظمة اللّه وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل ‏{‏إن هؤلاء متبر ما هم فيه‏}‏ أي هالك ‏{‏وباطل ما كانوا يعملون‏}‏، عن أبي واقد الليثي قال‏:‏ ‏(‏خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت‏:‏ يا نبي اللّه، اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ اللّه أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏.‏ إنكم تركبون سننن من قبلكم‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وابن أبي حاتم وأورده ابن جرير‏"‏‏.‏